حين تصبح الداخلة ساحة لاستعراض العضلات الحزبية

حين تصبح الداخلة ساحة لاستعراض العضلات الحزبية

في مشهد يكشف عن مدى الانفصام بين الخطاب السياسي والممارسة، تتحول جهة الداخلة وادي الذهب إلى حلبة مصارعة انتخابية مبكرة، حيث تتساقط الوعود البراقة كأوراق الخريف، وتختلط النوايا الحسنة بمصالح ضيقة لا ترى في المواطن سوى رقم في معادلة انتخابية باردة.
ما يجري اليوم في هذه الجهة البعيدة عن مركز القرار ليس سوى مهزلة سياسية بامتياز، بدأت بزيارة رئيس الحكومة على رأس وفد وزاري من حزب التجمع الوطني للأحرار، في تحرك يحمل كل علامات الدعاية الانتخابية السابقة لأوانها، وكأن الحكومة بأكملها تحولت إلى جناح دعائي لحزب بعينه، متناسية أن مؤسسة رئاسة الحكومة ليست مقرا للحملات الانتخابية، ولا منصة لتلميع صورة حزب على حساب الاخرين.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا هذا التهافت على جهة لا تملك سوى 7 برلمانيين من أصل 395 على المستوى الوطني؟ هل لأن المواطن الداخلي أكثر سذاجة من غيره؟ أم لأن هذه الجهة أصبحت واجهة لاستعراض القوة الحزبية في معركة لا تخلو من حسابات ضيقة؟
إن ما يثير الاستغراب حقا هو توقيت هذه الزيارات الماراطونية، وكأن الأحزاب السياسية تستيقظ فجأة على وجود جهة بأكملها تحتاج إلى خدمات، في حين أن الإهمال الممنهج الذي تعانيه المنطقة طيلة السنوات الماضية لم يحرك ساكنا في قيادات هذه الأحزاب، فهل المواطن في الداخلة مجرد “ناخب موسمي” يستدعى للتصويت ثم يُنسى بعد انتهاء العرس الانتخابي؟
ولم تقف المهازل عند هذا الحد، بل ها هي اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال تستعد لكرنفال سياسي جديد بقيادة حمدي ولد الرشيد، في محاولة يائسة لاستعادة بريق الحزب الذي أصبح أشبه بجسم هرمي يتساقط منه أبرز الوجوه، وكأن الأحزاب تتنافس في من سيبذل جهدا أكبر في إرباك المشهد بدلا من تقديم برامج حقيقية.
إن المواطن البسيط في الداخلة، الذي التهمته هذه الزيارات المتتالية، أصبح مثل من يرمي به في دوامة لا أول لها من آخر، حيث لا يجد أمامه سوى وجوه سياسية تتصارع على من سيحظى بثقة الناخب، وكأن المنافسة هي الغاية وليس المواطن، وكأن الانتخابات مجرد مسابقة في الشعبوية والدعاية المجانية.
والأكثر إيلاما هو حديث البعض عن استقطابات من حزب التجمع الوطني للأحرار، وكأن الجهة قد تحولت إلى سوق للمزايدات السياسية، حيث يباع الوعد ويشترى الضمير، وتستغل حاجة المواطن في لعبة سياسية قذرة لا تراعي لا كرامة الإنسان ولا مستقبل المنطقة.
إن هذه التحركات المحمومة، التي تخلو من أي برنامج سياسي واضح، ليست سوى انعكاس لأزمة عميقة تعيشها الأحزاب السياسية المغربية، أزمة انعدام الثقة بين الناخب والمنتخب، حيث يصبح الصوت الانتخابي مجرد سلعة في سوق السياسة، والمواطن مجرد أداة في معادلات السلطة.
ولعل أخطر ما في الأمر هو أن هذه الممارسات تفقد المواطن بوصلته السياسية، وتجعله يتراجع عن أي مسلسل ديمقراطي، مادام يرى أن السياسة مجرد صراع على الكراسي، وأن الأحزاب لا تختلف كثيرا عن بعضها في جوهرها، فكلها تسعى لنفس الأهداف، وتستخدم نفس الأساليب في استدراج الناخبين.
وفي النهاية، يبقى المواطن الداخلي ضحية لهذا السباق المحموم، بين أحزاب تتسابق في إرباك المشهد، وأخرى تستعد لعرس انتخابي آخر، دون أن يلمس أي تغيير حقيقي في واقعه، دون أن يرى أي برنامج واضح لمستقبله، دون أن يشعر بأن صوته له قيمة، وأن مشاركته في العملية الديمقراطية ليست مجرد طقس سنوي يمارس ثم ينسى.

إن استمرار هذه الممارسات سيزيد من عزوف المواطن عن المشاركة في الانتخابات، وسيعمق الفجوة بين النخبة السياسية والشارع، وسيجعل من الديمقراطية مجرد واجهة براقة لاستمرار الهيمنة على مقدرات الناس، دون أي إرادة حقيقية في التغيير والإصلاح.

فحذارِ أن ندفع بمواطنينا إلى اليأس، وحذارِ أن نحول السياسة إلى مهزلة استعراضية، وحذارِ أن ننسى أن الوطن ليس ملكا للأحزاب، وأن المواطن ليس مجرد أداة انتخابية تستخدم ثم ترمى.

الاخبار العاجلة