تعيش جهة الداخلة منذ ايام، حالة من الترقب والقلق الاجتماعي غير المسبوق، على وقع مصادقة “استعجالية” مثيرة للجدل على مخطط التهيئة العمرانية، في خطوة فتحت الباب على مصراعيه أمام موجة من التكهنات حول مصير عشرات الآلاف من البقع السكنية، وسط صمت رسمي مطبق يزيد من تأجيج الأوضاع.
وتعود جذور هذه الأزمة إلى دورتين استثنائيتين عقدتهما جماعة الداخلة وجماعة العركوب، وذلك بناءا على طلب مباشر من والي جهة الداخلة وادي الذهب.
ورغم أهمية المخطط المصادق عليه، فإن الإجراءات التي رافقته أثارت استغراب المراقبين، إذ عقدت الدورتان في ظرف ثلاثة أيام فقط من تاريخ التوصل بالمراسلة، وبنصاب قانوني كاد ألا يكتمل، ودون أن تتاح لأعضاء المجلسين الفرصة للاطلاع على وثائق الدورة أو دراستها داخل اللجان المختصة.
هذا التسرع والارتباك انعكس سلبا على مجريات الجلسات، حيث اعترف أكثر من عضو بأنهم لم يتمكنوا من استيعاب فحوى العرض الذي قدمه ممثل مكتب الدراسات المشرف على إعداد الوثيقة الأولية للمخطط، والتي تشمل النفوذ الترابي للجماعتين معا.
ووسط هذا الضباب، برز شق خطير هز قاعة مجلس جماعة الداخلة، ويتعلق بتوسيع مطار الداخلة، والذي سيتم على حساب تجزئتي “الهناء 1″ و”الهناء 2” بشكل مباشر في المقابل، التزم ممثل مكتب الدراسات الصمت إزاء مصير باقي التجزئات السكنية الأخرى، رغم أن الأعضاء طرحوا تساؤلات صريحة حول هذا الموضوع، وهو ما زاد من حيرة الحاضرين.
وفي مفارقة لافتة، شهدت الجلسة اعتراضات قوية من بعض الأعضاء على هذا الغموض، إلا أن المفاجئة كانت في تصويت بعض المعترضين أنفسهم لصالح المخطط، وهو تناقض صارخ يفسره متابعون بـ”غياب الوعي المؤسساتي” لدى بعض أعضاء المجالس المنتخبة بالجهة، وهو موضوع لنا فيه رأي سنعرضه في وقته، لكنه يعكس حجم الإرباك الذي رافق هذه المصادقة.
لم يكد القرار يصدر حتى انتشرت أخبار وتكهنات بين البقع السكنية، الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف، تفيد بـ”استيلاء الدولة” على أملاكهم لفائدة مشاريع ضخمة، بل وصلت التكهنات إلى الحديث عن مشاريع أجنبية تستهدف المنطقة، وحيث ان هءه الأخبار المتضاربة وجدت أرضا خصبة في غياب أي توضيح رسمي.
ومع أن والي الجهة هو المسؤول الأول عن إدراج نقطة دراسة والمصادقة على هذا المخطط، إلا أن مؤسسة الوالي ظلت صامتة تماما، ولم تصدر أي بلاغ توضيحي يهدئ من روع المواطنين، أو يؤكد أن الأمر يتعلق بمخطط أولي قابل للتعديل والنقاش، أو يشرح حقيقة مصير هذه التجزئات، فهذا الصمت، الذي وصف بـ”المريب”، أجج مشاعر القلق وجعل الباب مفتوحا أمام نظريات المؤامرة، مما قد يدفع المئات من ملاك الأراضي إلى الخروج إلى الشارع للتعبير عن احتجاجهم في حال استمر التعتيم.
وإن استمرار هذا الغموض وعدم تدخل الوالي لتوضيح الرؤية، مع تجاهل دور المجالس المنتخبة في النقاش الجاد والشفاف، سيجعل من أزمة “مخطط التهيئة” قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي بمدينة تعيش نهضة تنموية كبرى، فملاك التجزئات ليسوا مجرد أرقام، بل هم مواطنون استثمروا مدخراتهم في هذه البقع، ويحق لهم معرفة المصير الحقيقي لعقاراتهم، بعيدا عن التكهنات والصمت الرسمي.








